07/02/2026

وزارة التربية تطلق خطة وطنية شاملة لتحصين المؤسسات التربوية من العنف

تستعد وزارة التربية لاطلاق خطة وطنية لتحصين المؤسسات التربوية من العنف، وذلك في إطار مجهوداتها الرامية إلى الحدّ من تنامي مظاهر العنف داخل الوسط المدرسي، وتعزيز المناخ التربوي الآمن للتلاميذ وللإطار التربوي على حدّ سواء.

وأفادت الوزارة أن هذه المبادرة تندرج ضمن توجه وطني يهدف إلى معالجة ظاهرة العنف المدرسي معالجة شاملة، تقوم على الوقاية والتوعية والتدخل المبكر، وتعتمد مقاربة تربوية ونفسية واجتماعية، بدل الاقتصار على الحلول الزجرية.

وترتكز الخطة الوطنية، في أبرز محاورها، على أن تطويق آفة العنف يبدأ بإعداد جيل ناشئ من المتعلمين يمتلك أدوات الوقاية منها، وذلك من خلال نشر ثقافة الحوار داخل الوسط المدرسي، والتشجيع على الاختلاف الإيجابي، واحترام الآخر، والتعبير الحر، ومناهضة جميع أشكال التمييز.

وكان وزير التربية نور الدين النوري قد بيّن، خلال ندوة وطنية انتظمت خلال الأسبوع الجاري بالشراكة مع عدد من الهياكل الوطنية والمنظمات الدولية، أن الهدف المحوري من هذه الخطة يتمثل في توفير فضاء مدرسي آمن يحترم مكانة التلاميذ ويصغي إلى مشاغلهم، مشددًا على أن “العنف ليس قوة، وأن القوة تكمن في الاحترام والتعبير الحر والإبداع والتفاوض ونبذ الإقصاء والتنمر”.

وفيما أبرز الدور التربوي للمؤسسات التعليمية في تنشئة التلاميذ على القيم السامية، وتنمية المواهب وتأطيرها، ونشر العلم والفكر الحر، وتعزيز قدراتهم باعتبارهم قيادات مستقبلية في المجتمع التونسي، شدّد وزير التربية على أن تطوير منظومة التربية يسير جنبًا إلى جنب مع إنجاز الإصلاحات التعليمية، وحماية الفضاء التربوي وتأمينه من مختلف التحديات، وفي مقدمتها العنف.

ويعكس التوجه نحو إرساء هذه الخطة اهتمام الدولة التونسية بسلامة التلاميذ وبسلامة الوسط التربوي، كما يندرج ضمن مسعى يرمي إلى تحسين جودة التعليم والسلامة المدرسية، عبر نهج تربوي متكامل يدمج الوقاية والتوعية والاستجابة المناسبة، ويقوم على تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني.

تشخيص الظاهرة قبل إعداد الخطة

وفي إطار الإعداد لهذه الخطة، قامت وزارة التربية بتشخيص ظاهرة العنف داخل المؤسسات التربوية، من خلال تجميع المعطيات وتحليلها، ورصد مختلف أشكال العنف وأسبابه، سواء داخل الفضاء المدرسي أو في محيطه، وذلك في إطار دراسة أنجزتها بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، بهدف إعداد خطة تستجيب لحاجيات الميدان وتراعي خصوصيات الجهات.

وأظهرت نتائج الدراسة أن المعدل العام لتعرض التلاميذ المتمدرسين للعنف الجسدي بلغ 28.4 بالمائة، توزعت بين 12.5 بالمائة تعرضوا للعنف مرة واحدة، و15.9 بالمائة تعرضوا له أكثر من مرة، مع تسجيل تعرض الذكور للعنف بنسبة أعلى من الإناث.

كما كشفت الدراسة أن نحو 40 بالمائة من حالات العنف الجسدي المسلّط على التلاميذ تصدر عن التلاميذ المتمدرسين أنفسهم، من الفتيات والفتيان على حدّ سواء، وهو ما يدل على أن جزءًا هامًا من مظاهر العنف يحدث داخل الفضاء المدرسي.

وأشارت المعطيات إلى أن 57 بالمائة من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسة التربوية، و25.8 بالمائة في ساحاتها، و19.7 بالمائة داخل قاعات الدرس، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ خلال ساعات الفراغ بنسبة 16.8 بالمائة. كما بيّنت الدراسة أن 19.6 بالمائة من حالات العنف تحدث أثناء الطريق إلى المدرسة، في حين أفاد 61.4 بالمائة من التلاميذ المستجوبين بتعرضهم للسخرية أو الإهانة.

محاور مرتقبة للخطة الوطنية

ومن المنتظر أن تشمل الخطة الوطنية المرتقبة عدة محاور، من بينها تعزيز ثقافة اللاعنف داخل المؤسسات التربوية، ودعم قدرات المدرسين في مجال إدارة النزاعات، وتطوير آليات الإحاطة النفسية والاجتماعية بالتلاميذ.

كما يُنتظر أن تتضمن الخطة إرساء آليات للتدخل المبكر عند رصد السلوكيات العنيفة، واعتماد أساليب الوساطة والحوار داخل الوسط المدرسي، إلى جانب تحسين التنسيق بين المؤسسة التربوية والأسرة والهياكل الاجتماعية المختصة.

دور الأسرة والمجتمع المدني

وأكدت وزارة التربية أن إعداد الخطة سيتم وفق منهجية تشاركية، تقوم على إشراك مختلف المتدخلين، من إطار تربوي وإداري، وأولياء، وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني، بما يضمن نجاعة الإجراءات المزمع اعتمادها.

وشددت الوزارة، في هذا السياق، على أهمية إشراك الأسرة في الجهود الرامية إلى الحدّ من العنف المدرسي، معتبرة أن الوقاية من هذه الظاهرة تمثل مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المؤسسة التربوية.

كما أكدت على دور المجتمع المدني في المرافقة والتأطير والتحسيس، وفي دعم البرامج التي سيتم اعتمادها في إطار الخطة الوطنية المرتقبة.

خطة شاملة وقابلة للتنفيذ

وأبرزت وزارة التربية أن الهدف من هذه المبادرة يتمثل في وضع خطة وطنية شاملة وقابلة للتنفيذ، تستجيب للواقع الميداني وتسعى إلى تحصين المؤسسة التربوية، وضمان حق التلميذ في تعليم آمن وسليم.

وأوضحت أن تنفيذ الخطة سيتم بصفة تدريجية، مع اعتماد آليات متابعة وتقييم دوري لقياس مدى نجاعتها، وإدخال التعديلات اللازمة وفق المعطيات الميدانية.

واعتبر وزير التربية أن "التعاطي مع حوادث العنف المسجّلة يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية، باعتبار أن التربية شأن أفقي متعدد القطاعات"، مؤكدًا في هذا الإطار ضرورة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بقية الوزارات والهياكل الحكومية وغير الحكومية.

ويتأكد، في هذا السياق، الدور المحوري لوزارتي العدل والداخلية في حماية محيط المؤسسات التربوية، وردع مختلف أشكال العنف والجريمة، ومكافحة المخدرات، إلى جانب تنظيم حملات توعية وتحسيس لفائدة التلاميذ وأولياء الأمور حول مخاطر السلوكيات العنيفة والمحفوفة بالمخاطر، بما يبرز أهمية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات التربوية لضمان سرعة الاستجابة ونجاعة التدخل عند تسجيل أي تجاوزات.

الاكثر قراءة