متحف معقل الزعيم بالعاصمة: صرح ثقافي شاهد على نضالات الزعيم بورقيبة لتحرير تونس واستقلالها
قد يبدو المنزل عدد 6 الكائن بساحة معقل الزعيم بالعاصمة (رحبة الغنم سابقا) منزلا عاديا بالنسبة إلى المارين بجواره، ولكنه في الحقيقة يحوز على إرث تاريخي للزعيم الحبيب بورقيبة (3 أوت 1903 - 6 أفريل 2000) أول رئيس للجمهورية التونسية وباني الدولة الحديثة.
وتمّ إحداث متحف معقل الزعيم يوم 9 أفريل سنة 1974. وتولى الحبيب بورقيبة تدشينه تزامنا مع إحياء الذكرى 36 لشهداء مسيرة 9 أفريل من عام 1938. ويروي بلقاسم القديري محافظ التراث بمتحف معقل الزعيم أن هذا المنزل كان على ملك دار بن حمودة، تسوّغه الحبيب بورقيبة صحبة محمود الماطري في نهاية العشرينات من القرن الماضي، ثم أصبح في الثلاثينات مسكنا للزعيم بورقيبة رفقة زوجته آنذاك، "ماتيلد لوران" وابنهما الحبيب بورقيبة الابن.
ومازال المنزل محافظا على خصائصه المعمارية ومكوناته، حيث يتفرد كل ركن من أركانه بخصائص مادية ورمزية. وتتمثل محتويات الفضاء بالخصوص في غرفة الجلوس وغرف النوم لكل من الحبيب بورقيبة والحبيب بورقيبة الابن ومحمود بورقيبة وكذلك المطبخ وقاعة الأكل، إلى جانب محتويات مكتب المحاماة الذي تم نقله من باب سويقة إلى هذا المعلم. وقد عمل المعهد الوطني للتراث المشرف، إداريا على هذا المتحف، على صيانة الأثاث الأصلي للمنزل باستمرار وتوزيعه في فضاءات المنزل على الهيئة التي كان عليها زمن إقامة الزعيم فيه.
وأما الطابق العلوي للمتحف، فيتضمن صورا ومخطوطات ووثائق تسطر ملحمة النضال الوطني في طرد المستعمر الفرنسي، وتخلّد أبرز رموز الحركة الوطنية وأعلامها.
وكان هذا المنزل شاهدا على اجتماعات عقدها بورقيبة مع مناضلي الحركة الوطنية لبحث أساليب المقاومة والكفاح ضد المستعمر الفرنسي. ومن هذا المنزل أيضا تم اعتقال بورقيبة فجر يوم 10 أفريل على خلفية مسيرة 9 أفريل 1938 التي قمعها الاستعمار الفرنسي بوحشية وسقط خلالها عشرات الشهداء والجرحى. كما كان المنزل شاهدا على خطاب حماسي تاريخي ألقاه بورقيبة أمام جموع غفيرة من المواطنين يوم عودته من منفاه في غرة جوان من سنة 1955 تاريخ إعلان الاستقلال الداخلي لتونس.
وما إن تطأ أقدام زائر هذا المنزل المتحف غرفته الأولى، ويبدأ في تأمل محتويات الفضاء حتى يرتحل في الزمن ويعود إلى بداية الثلاثينات، ويستحضر أهم الأحداث الكبرى التي عرفتها تونس في تلك الفترة. وقد تتمثّل لدى الزائر صورة ذهنية، وهو ينظر إلى غرفة نوم بورقيبة وصورته المعلقة من منفاه، فتذهب به مخيلته إلى حادثة اقتحام جنود الاحتلال الفرنسي للمنزل واقتياد الزعيم بعد أحداث 9 أفريل. وقد تحيلك غرفة الجلوس إلى اجتماعات تم عقدها مع مناضلي الحركة الوطنية للتصعيد مع المستعمر. وأما شرفة المنزل في الطابق العلوي، فقد تأخذك إلى خطاب 1 جوان 1955 وإلى الجماهير الحاشدة في الساحة التي تهتف للوطن وللزعيم.
وهذا المتحف هو مفتوح لعموم المواطنين مجانا، وفق ما أكده بلقاسم القديري محافظ التراث بمتحف معقل الزعيم، في حديثه مع وكالة تونس افريقيا للأنباء (وات). ويستعيد الزائر لهذا الفضاء تاريخا وطنيا حافلا بنضالات الزعيم الحبيب بورقيبة من أجل سيادة تونس، وهي نضالات كان لها أثر كبير في معركة ما بعد الاستقلال ضد الجهل والفقر، وبناء دولة حديثة قوامها نشر التعليم والثقافة وحرية المرأة وتطوير المجتمع والحفاظ على وحدته ووحدة تونس.